حوار مع إيناس الدغيدي

حوار مع إيناس الدغيدي

حوار مع إيناس الدغيدي

مصريات – نقول بالحوار هنا تجاوزا، حيث لم يحدث تلاق وجها لوجه بين طرفي الحوار،وإنما هو وجهة نظري أبسطها فيما تصادف أن شاهدته من حوار مع المخرجة الجريئة الشهيرة المثيرة للجدل إيناس الدغيدي مع الممثلة يسرا،على قناة النيل /سينما ظهر 21/9/2009، أي ثاني أيام عيد الفطر، حيث يبدو أنها تسعد بأن يثور مثل هذا الجدل حولها، كما ألمح الى ذلك بعض من حاورتهم في شهر رمضان.

وربما يدهش بعض من تعودوا على قراءة ما أكتب أن يكون هذا موضوع مقال لي،وقد تعودوا مني مناقشة المشكلات والقضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، فضلا عن ارتباط إيناس الدغيدي بإثارة صريحة وعلنية لموضوعات جنسية،وكذلك التهجم المستمر على التوجه الديني، من خلال التهجم على بعض رموزه، وأنا لا أرى مقال اليوم _ في الحقيقة – مدعاة للدهشة، ذلك أن إيناس باعتبارها مخرجة سينمائية تؤثر على مفاهيم وأفكار وسلوكيات آلاف من الشباب بصفة خاصة، وفي إطلالاتها التلفزيونية، تفعل الشئ نفسه، ربما بالنسبة لمئات الألوف على أقل تقدير، فهي بذلك، تمارس دورا ربما يفوق _ واقعا -عشرات المرات ما يقوم به كبار أساتذة التربية وعلم النفس ( ولله الأمر من قبل ومن بعد )، مما يستوجب الحوار معها.

كذلك، فكاتب هذه السطور، ليس ممن يرضون بالوقوف عند حدود الاستهجان،ويصدرون أحكاما أخلاقية أو تكفيرية، فهذا موقف لا أستطيعه ولا أرضي لنفسي به،وإنما أناقش وأحاور وأجادل بالتي هي أحسن، ومن شاء فليؤمن ومن يشاء فليكفر و ” لست عليهم بمسيطر “.

بداية فقد استوقفني تصريح إيناس الدغيدي أكثر من مرة _ في الحوار ذاته _ بأنها لن تتراجع عما تقوله، وأنه لم يساورها ندم من قبل،ولن يساورها مستقبلا، بالنسبة لبعض ما ترى، استنادا الى أنها تُقَدّر الأمور جيدا دائما،وإحساسها لا يخطئ،وما سار على طريق هذا المعنى.

وجه الدهشة حقا إنها ثقة مفرطة بالرأي الشخصي جاوزت الحد،يمكن أن تغلق الطريق أمام أي حوار معها، إذ ما فائدته، ما دامت هي _ كما ترى _ على صواب دائما ؟ وقد كان كبار المفكرين والعلماء المسلمين حريصين أن ينهوا فتاواهم وآراءهم بعبارة شهيرة ” والله أعلم “، لأنهم دائما ما يخشون من احتمالات الخطأ الذي هو جزء أساسي من طبيعة الإنسان، بل وهذا هو الإمام الشافعي يقول قولته الشهيرة : رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب!

لفت نظري في الحوار مع ايناس الدغيدي أن قضية الحجاب كانت هي محور الحديث، علما بأن هذه القضية ليست هي المحور الأساسي للأمة الإسلامية، فهناك من المشكلات والهموم ما هو أولى بالمناقشات، مثل التخلف، والأمية،والتبعية لقوى الهيمنة الكبري،والوقوع أسري القهر والاستبداد، ومن علامات التراجع حقا أن يكون هناك خلل في سلم الأولويات، فتثور مناقشات طويلة على الحجاب، ولا تثور مناقشات على أي من هذه القضايا التي ألمحنا على معظمها !!

ولفت نظري أيضا تأكيد إيناس الدغيدي أنها لا تهاجم الحجاب في حد ذاته، وإنما تهاجم هذا الانجراف الشديد نحو التدين الذي أبدت انزعاجها الشديد من تعاظمه وانتشاره،وفي الوقت نفسه نعيش تزايدا في الانحرافات الأخلاقية والسلوكيات الاجتماعية والمفاسد المتعددة.

و إيناس الدغيدي في هذا يمكن أن أقول عن نفسي ” عداها العيب “، فلقد كتبتُ عن هذا منذ أكثر من عشر سنوات في جريدة الميدان، بعنوان ( كبر مقتا عند الله ) _ وتكملتها : أن تقولوا ما لا تفعلون -، مشيرا الى الظاهرة نفسها: تزايد في مظاهر التدين ،وفي الوقت نفسه، تزايد في الشروخ وصور الخلل في منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية.

وأحب أن أطمئن إيناس الدغيدي بأن دراسات وبحوثا وكتبا كثيرة وواسعة قمتُ بها_ وما زلت _ عبر سنوات طويلة عن الكثير من علماء التربية المسلمين، كلها تكاد تردد معنى واحدا يدور حول فكرة أن طلب العلم، إذا كان فريضة في الإسلام ( وقد فهم كثير منهم العلم على أنه العلم الديني،وفقا لطبيعة الحضارة الإسلامية، وبحوثا وكتبا خاصة في قرنيها الأول والثاني )، إلا أن هذا العلم إن لم يقترن ” بالعمل ” به  أي أن ينعكس سلوكا وأخلاقا، فلا قيمة له ولا جدوى .

وهناك آيات قرآنية كثيرة تنبه على ذلك،وأبرز ما ننبه عليه هنا، ذلك الاقتران المتكرر في آيات كثيرة بين ” الإيمان ” و ” العمل “، فلا يخاطب سبحانه وتعالى ب ” الذين آمنوا ” إلا ويتبعها بقوله ” وعملوا الصالحات “، وما من عبادة أساسية في الإسلام يطَالَب بها المسلم إلا ويقترن الطلب أو الأمر بها ببيان العلة والأثر، والذي يكون دائما هو صلاح حال الناس واستقامة سلوكهم،والحديث في هذا يطول، لكن يكفي أن نشير الى أن المسلم يدعو ربه خمس مرات يوميا أثناء كل ركعة صلاة ” اهدنا الصراط المستقيم ” !!

ومع ذلك فأنا أقر بالفعل بالانفصام الشديد بين ما يسلكه المسلمون في أيامنا الحالية تدينا،وبين ما يسلكونه بينهم وبين بعض،وبينهم وبين غيرهم،و بينهم وبين قطاعات العمل المختلفة، لكن السؤال الذي ألح عليه للأستاذة الكريمة إيناس الدغيدي : هل تتصورين هذا مقصوراً على المجال الديني وحده ؟

هذا هو مكمن الخطأ الذي أرجو أن يتسع صدرها لتنبيهي لها إليه، فهي ترى ” الشجرة ” ولا ترى ” الغابة “، كناية عن أن الانفصام الحادث في عالم التدين، هو انفصام عام، كلي، شامل، في المجتمع المصري منذ عدة عقود بصفة خاصة، ولا تراه هي إلا في عالم التدين ثراء واسع في عالم الرأي والنظر والفكر والشعارات والمواثيق،وتدهور مستمر في عالم العمل والسلوك، في مختلف القطاعات المجتمعية .
وهذا مظهر معروف من مظاهر المجتمع الذي يعيش قهرا، بكل ما يحمله القهر من أساليب وما يتضمنه من مجالات،وما يبدو فيه من صور،وهو ما يعبر عنه مثل شعبي بسيط للغاية ( الجعان يحلم بسوق العيش )، فلأن القهر مستمر،ويزداد ضراوة، تتسع دائرة الحرمان من الإمساك بما يصعب حصره من حقوق وتحقيق الكثير من الأماني والرغبات، فيهرب المقهور الى سموات علا،لا يطار لها على جناح ولا يسعي على قدم، وأحلام يحقق فيها بالكلام ما عجز عن تحقيقه في الواقع !

انظري الى نصوص الدستور،والى وجود أحزاب، والى وجود صحف مستقلة وخاصة وقنوات تلفزيونية ومجلسين للشورى والشعب،وانتخابات تجرى كل فترة  كلها مظاهر ديمقراطية بامتياز، لكن، هل يجرؤ إنسان _ ممن لا يعمل مع الحكومة أو ينتفع بها _ يمكن أن يزعم أننا نعيش ديمقراطية حقيقية ؟

إنها نفس القضية  ” رسوم ” و” أشكال ” للديمقراطية، بينما نعيش قهرا واستبدادا، تماما مثلما نري تزايدا في أعداد المصلين في المساجد،والذين يؤدون فريضة الحج والعمرة،ويصومون،ويلبسون الحجاب، ويطلقون اللحي  ثم، نبحث عن انعكاس كل هذا على ” المعاملات “، فلا نري إلا القليل النادر إلا من رحم ربي !

وطالعي واسمعي ما يصدر عن أعلى سلطة للتعليم في مصر، سواء الوزير أو مستشاروه،من تصريحات وبيانات،وحاولى أن تطلعي على مجلد فخم وضخم اسمه الخطة الاستراتيجية لإصلاح التعليم في مصر، سوف تشعرين بالزهو، وأننا تفوقنا على معظم الدول المتقدمة في العالم، ثم انزلي وتفقدي المدارس الحكومية خاصة،وتحدثي مع أولياء الأمور، و” جَمّدي ” قلبك وأنت ترين الدموع تطفر من عيون الأمهات خاصة على ما تعانيه الأسرة من إنفاق ما يخصص للمأكل والملبس، على الدروس الخصوصية تعويضا عن غياب التربية من وزارة التربية واختفاء التعليم من مدارس وزارة التعليم !

إنها نفس القضية، يا عزيزتي إيناس الدغيدي
بل انظري للحزب الحاكم لمصر واسمه الحزب الوطني الديمقراطي،وقولى لي بالله عليك، هل يستقيم هذا الاسم مع الفعل والواقع ؟ هل يكون الحزب “ديمقراطيا” وهو يحتكر السلطة عشرات السنين منذ 1952، حيث هو امتداد طبيعي لهيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي ؟
هذه هي القضية، قضية تحرير الوطن والمواطنين من براثن القهر والاستبداد،وليست هي تحرير المرأة من الحجاب كما تتصورين، وليست هي قضية الجهل الجنسي، بحيث يدفعك هذا لتكريس حياتك السينمائية لتناول هذه القضية.

أريد أن أري ” جرأتك ” في ساحة أوسع: ساحة تحرير الوطن من القهر المركزي، ألا وهو القهر السياسي، والذي إذا تحرر الوطن منه، سوف يتبعه تحرر حقيقي في مجالات واسعة، وإذا تم هذا التحرير سوف ينطلق الوطن وينطلق المواطنون على طريق الإبداع والإنتاج والرفاهية، فإنما تفسد السمكة من رأسها
وفقك الله وإيانا الى صواب الرؤية وسدد على طريق الحق خُطانا وخُطاك !

اخبار ومواضيع ذات صلة:

حوار مع إيناس الدغيدي مع يسرا وموقفها من الحجاب والتدين

2 comments
  1. بصراحة بدها قتل أو على الأقل رجم

أضف تعليقاً