هل مروة الشربيني شهيدة الحجاب فعلا؟

مروة الشربيني مع ابنها

مروة الشربيني مع ابنها

وائل عبد الفتاح

عندما تشبه عدوك فهذه هي الهزيمة الكبرى لك.
لا أعرف من الذي قال هذه الكلمات ..ولست متأكدا من أن هناك من  قالها..لكنها حصيلة تأمل المشاهد المتلاحقة منذ مقتل الدكتورة مروة  الشربيني في مدينة دريسدن الالمانية.
أعتقد أن القاتل انتصر عندما استثار كل هذه الجموع الحاشدة،..وجعلها  تخرج بكل حماس لتهتف “الانتقام..الانتقام”.

1
القاتل ألماني ، من أصل روسي،أراد أن يثبت “ألمانيته” أكثر ,.. فقتل  المختلفة معه ، قتل الأعداء القادمين من “كوكب” آخر يهددون “النقاء  الأبيض” .
القاتل لم يستفزه الحجاب فقط ، استفزه اختلاف مروة كلها، لون  بشرتها ، وطريقة حياتها ، وملابسها ، وطريقتها في الحياة.
أراد تطهير مدينته من “الخطر الملون” الذي يتسرب من بلاده ليجتاح  ألمانيا واوروبا، هذه أفكار “النازيين الجدد”.
وهي حركة بدأت سرية في التسعينيات ، تقريبا عندما زادت معدلات  الهجرة من تركيا ودول المغرب العربي .
النازيين الجدد شعروا بحنين إلى أيام هتلر وعنفوانه.
هتلر كان يريد ألمانيا نقية من كل الألوان غير الأبيض.. أو بالتحديد  الجنس الآري ، ليس هذا فقط كان هتلر مع إعدام المرضى والمعاقين  لأنه يريد “شعبا قوياً ”
“النازيون الجدد” ظهروا مع الشعور بخطر الهجرة ، تخيلوا أن بلادهم  تتعرض لمؤامرة كبرى ، وأن الوطن يفقد النقاء الجميل .. عندما تزدحم  شوارعه بالاجانب .
تكونت مجموعات سرية من المؤمنين بهذه الأفكار..يحتفلون بمناسبات  النازية القديمة ويتجمعون في معسكرات يتلقون  فيها محاضرات  سياسية وتدريبات حربية.
إنهم ينتظرون “حرب تحرير” كبرى، يساندهم فيها أحزاب يمينية مؤمنة  بأن ” ألمانيا محتلة”. أو ” هي طفل ولدته مؤامرة من امريكا والحلفاء   الغربيين وعليهم إعادته إلى طبيعته الأولى النقية..”
إنها حركة  مغرمة بهتلر وأفكاره حول ” النقاء العنصري” ..والجنة  التي يروج مفكرو النازية الجديدة أنها كانت متحققة في سنوات حكم  هتلر لألمانيا، كانوا يقولوان إن المانيا في عهده “مدينة فاضلة” بلا  جوعى ولا مشردين ولا عاطلين ولا مدمني مخدرات ، هتلر هو معبود  “النازيين الجدد” ،يقدسون أيامه ، ويضعون علاماته على ملابسهم  وجدران منازلهم ، ولأن استخدام الصليب المعقوف {رمز النازية}  ممنوع من الاستخدام باعتباره رمزا عنصريا فإن النازيين الجدد  يستخدمون رقم 18 للدلالة على هتلر فالرقم 1 يعني الحرف الأول  في الابجدية A ، و الرقم 8 يعني الحرف الثامن H ، و 18 تعني  أدولف هتلر.

ادولف هتلر

ادولف هتلر

(2)
التحرر من الاجانب هو المعركة الكبرى للنازيين الجدد ، تدربوا عليها  عسكريا كما فهمت من شهادة لشاب ألماني استضافته “قناة الجزيرة”  وحكى فيها : كنت عضوا في كتيبة رياضية عسكرية اسمها “فراي  كوربس ” ألمانيا العظمى ، وكنا نقوم بأشياء مختلفة ، على سبيل المثال  قمنا بتدريبات على إطلاق النار واستخدام الأسلحة في سويسرا وكان  يدربنا متعاطفون سويسريون من قوات الاحتياط هناك ، كانت لدينا  نظرية أنه بعد عشرة أو خمسة عشر عاما ستحدث حوادث شغب  واضطرابات تسببها الجالية المسلمة في المانيا ، وأعني الاتراك ، كان  شعارنا منطقة غرويتسبيرغ في برلين سوف تنفجر وهي المنطقة  المعروفة المكتظة بالاجانب ، كنا نتصور أن قوات الجيش سوف تتدخل  لضبط الامن ومكافحة الشغب إثر ذلك ستعم الفوضى البلاد وأردنا في  هذه اللحظة التدخل واغتيال القدر الاكبر من المسئولين لكي نزيد من  حالة الفوضى ولكي نزيد أيضا من حالة عدم الاستقرار في المانيا ، لقد  أردنا عمليا أن نقوم بانقلاب عسكري.
انقلاب يهدف إلى أن تعود “المانيا للألمان” لكن الموضوع لا يتوقف  على العمليات العسكرية لكنه مخطط كامل ، خاصة بعد أن أصبحت  هناك تنظيمات معلنة تعتنق أفكار النازية الجديدة لكنها تسمي اسما مخففا  (اليمين المتطرف) ، وهي أحزاب قومية المانية مؤمنة باعادة المانيا الى  ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وبأن الطريق الى الحلم الالماني لابد أن  يمر بالدماء.
الشاب الذي حكى للجزيرة تجربته مع التظيم السري للنازية الجديدة  ..حكى أيضا عن خطورة تحرير المانيا من الاجانب ، قال : ” هناك  ثلاثة محاور في استراتيجية الحزب القومي الديمقراطي الالماني  وغيره من المنظمات اليمينية “:
1- الكفاح من أجل السيطرة على الشارع.
2-الكفاح من أجل السيطرة على العقول.
3-الكفاح من أجل السيطرة على البرلمان.
والآن هناك محور رابع يسمى الكفاح من أجل إدارة النظم، والمعنى به  أن يصبح الحزب القومي الديمقراطي الالماني ” NPD” الجناح  السياسي الممثل لجميع اتجاهات اليمين المتطرف في السابق كانت  الاحزاب اليمينية تعمل بشكل متفرق ، حزب ” NPD”يحاول الامساك  بزمام القيادة ويلاحظ المرء ذلك من خلال اتفاق التعاون الذي أبرم بين  الـ” NPD” وحزب اتحاد الشعب الالماني “PUV” .
هذه هي ملامح النازية الجديدة التي قتل أحد المهووسين بها الدكتورة  مروة الشربيني.. ذات صباح وحولها الى رمز سياسي لضحايا النازية  الجديدة، الرمز مربك ، لاخاصة بالنسبة للهتيفة الذين ساقتهم عواطف  إلى الهتاف بصوت عالي :الانتقام ..الانتقام
ليس من القاتل فقط ، بل من المانيا كلها و من الغرب كله ومن العالم إذا  أمكن .

(3)
نعم القاتل له معجبون هنا، معجبون قدامى وجدد
المعجبون القدامى ينتمون لتنظيمات وأحزاب تعشق هتلر في السر،  تراه نموذجا لبطل الدولة القومية الذي يبني دولته ضد العالم والبعض  طبعا يحب ما فعله هتلر في اليهود ، هتلر هو نبي المهزومين ، يلعب  على الهستيريا السياسية، و على رغبة جماعة مغلقة في الهروب من  إحساس الهزيمة الكبيرة، إنه الساحر الذي جمع كل الاحباطات في سلة  واحدة .. وأقنع المحبطين أنهم يجتمعون في كيان كبير هو (الأمة النقية  المجيدة) ..هذا الكيان يعوضهم نفسيا ويوهمهم بأنهم يذوبون في كل شئ  أسطوري كبير.
هتلر هو ” الممثل النموذجي للطبقة الوسطى الدنيا..لقد كان نكرة لا  مستقبل له ,,ولقد شعر بحدة كونه منبوذا”
هذه أوصاف عالم النفس الشهير اريك فروم في كتابه “البحث عن  الحرية” الذي فسر فيه اعجاب الناس بهتلر ، قال :” لقيت الايديولوجية  النازية الاستحسان الشديد من جانب القطاع الادنى من الطبقة الوسطى  .. أي من جانب أصحاب الدكاكين الصغيرة والحرفيين و العمال..”  كانت الايديولجية النازية بالنسبة لهم وبروحها القائمة على الطاعة  العمياء لزعيم و الكراهية ضد الاقليات العرقية والسياسية وسعيها الى  القهر و الهزيمة وتمجيدها الشعب الالماني و الجنس الآري ..كانت هذه  الايديولوجية هي النداء العاطفي الهائل الذي جذبهم وجعلهم مؤمنين  أشداء ومقاتلين من أجل القضية النازية…هتلر قام بأكبر عملية غسيل  دماغ لشعب كامل.
تكلم عن فكرة “الكل في واحد” و “الانسان السوبر” وهي أفكار تعوض  الشعور بالنقص والعجظ لأشخاص محبطين ومهزومين في الحياة.
وهو كان يعرف سحر الكلام حتى إنه في كتابه الشهير “كفاحي” قال 🙁  ان القوة التي حركت كتل الثلج في الميدان السياسي و الديني كانت  دائما منذ أقدم العصور هي قوة الكلام السحرية”.
وفي مصر رأينا معجبين بهتلر ، والآن المعجبون الجدد مدوا خط  الاعجاب على استقامته وأعجبوا بالنازية الجديدة وبقاتل مروة .
هؤلاء هم “نازيون جدد” سلبيون ، أي الأعداء الذين يخلقون النازيون  الجدد ليشعلوا الحرب .

مظاهرة للقصاص لمروة الشربيني

مظاهرة للقصاص لمروة الشربيني

(4)
“اعتقد انكم اخطأتم في العنوان”
التفت موظف السفارة الالمانية للافتات تطالب بالقصاص لشهيدة  الحجاب ، وأكمل: (القاتل الألماني قتل امرأة واحدة ..بينما قتل 200  مسلم في احداث الصين الاخيرة” وأشار الموظف ليكمل رسالته ”  سفارة الصين في الشارع المجاور”
استمرت هتافات “القصاص” إلى أن فرقت قوات الامن الوقفة  الاحتجاجية ، تكررت الوقفات الاحتجاجية الغاضبة من قتل الدكتورة  مروة الشربيني بـ18 طعنة من سكين جارها ، القتيلة لم تكن مهاجرة  ..كانت تصاحب زوجها المبعوث للحصول على الدكتوراة- لكنها  اختارت ان ترتدي أزياء تريحها ، اختارت بمحض ارادتها الشخصية ،  وهذا حقها.. وهو حق يدافع عنه القانون الالماني، وتحميه قيم الليبرالية  و الديمقراطية الالمانية ، ولهذا عندما اعتدى المتطرف الالماني على  مروة وحاول نزع الحجاب من على رأسها ،وجدت في نفسها القوة،  وفي القانون الالماني ما يحميها أو يدافع عن حقها في الاختيار
القاتل طعنها في المحكمة ، وهو بهذه الفعلة المجنونة لا يوجه الطعنات  الى جسد مروة فقط ..ولكن الى القانون الالماني الذي يمنح لها الحق  في مقاضاته ، جريمة عنصرية بامتياز وليست ضد الاسلام أو الحجاب  ، ولكنها ضد الاختلاف .. وقبول الاجانب.. معركة النازية الجديدة مع  كل المختلفين عن النقاء الابيض.. وليس مع تمسك مروة بحجابها ..  هذه نقطة مهمة لم يلتفت إليها المجروحون من قتل امرأة في غربتها  بسبب تمسكها بما تراه صحيحا ، وعلى يد متعصب ونازي يريد تحرير  بلاده من الالوان الاخرى .

(5)
النازيون الجدد .. كأنهم أشعلوا الشوارع في مصر ، رفعوا شعارات  تعمم الجريمة ضد المانيا والانتهازيون طالبوا بالغاء مباراة ودية في  كرة القدم بين مصر والمانيا.
الصحف قادت مظاهرة الانتقام.. والتقطت التسمية التي اطلقتها بعض  التيارات السياسية على القتلية : “شهيدة الحجاب” .. التقطتها بدون  تفكير أو من دواعي الاثارة او ركوب الموجات العاطفية لجمهور  القراء.
لم يترك الألم من الجريمة البشعة فرصة للتفكير في أن الوصف يحمل  معنة التعصب والتطرف المضاد .
هذه مبالغة من قب التعاطف مع عائلة حزينة فقدت ابنتها في واحدة من  جرائم العنصرية البشعة .
لكنها مبالغة كاشفة عن استسعال في إطلاق وصف ” الاستشهاد” بما  يفقده معناه الديني المميز لأفراد لهم خصائص معينة.
وصف ” الشهيد ” نوع من التكريم وليست منحة تعطي من قبل  التعاطف .. أو الحزن.
أصبح وصف الشهيد قرينا في السنوات الاخيرة بالضحايا، وتنوع  الشهداء من ضحايا طوابير الخبز إلى التعذيب في أقسام الشرطة وحتى  الهاربين في قوارب الموت الى اوروبا .
أقيمت معارك على لقب الشهيد وكأن الموت العادي لم يعد يكفي  لتحريك المشاعر وإثارة الغضب وإظهار بشاعة الجرائم.
والأهم أن وصف الدكتورة مروة الشربيني بشهيدة الحجاب يقود إلى  أنها كانت في معركة مع المجتمع الالماني من أجل الحجاب ، رغم أن  نظرة أوسع ستكشف أنها جريمة عنصرية جبانة ، ارتكبها مهووس  يرى بعين واحدة -ولا يحتمل التعدد- يريد بلاده نقية.
الاحتجاج سار في اتجاه تكريس معنى واحد ، إنها حرب ضد الاسلام،  حرب يخوضها المجتمع الالماني و الدولة الالمانية .
وهو معنى نابع من شعور عميق بالاضطهاد ، ورغبة دفينة في دخول  حرب كبرى ضد العالم ، وهذه رؤية بعين تخدم القاتل وليس القتيلة ،  لأن التعصب و العنصرية هناك -حيث قتلت مروة- وهنا – حيث قتلت  الجماعات المتطرفة عشرات السياح – هدفها واحد : خلق مجتمعات  نقية وقطع الجسور بين العالم .

(6)
يتشابه الارهاب الذي قتل السياح الاجانب في مصر باسم الاسلام .. والارهابي الذي قتل مروة بحثا عن المانيا النقية ، كلاهما ينبع من ذهنية  مهووسة بالتمايز ، مهووسة بالقتل وصولا للغرض النهائي ( الجنة)  على الارض وفي السماء ، المتطرف الاسلامي يريد مجتمعا إسلاميا  خالصا، والالماني يريد نقاء المانيا ولونها الابيض .
رغم أن السعودية ليست مجتمع السعادة رغم أنها مجتمع مازال يعيش  انغلاقه .. ورفضه لجميع أشكال التعدد والاختلاف  ويمنع الربيات من  ارتداء ازياء متحررة..ويمنع دخول الاجانب مكة والمدينة ،لكنه ليس  مجتمع الجنة ، كما لم تكن أيام هتلر هي الجنة الالمانية ، لكنها حرب  تخرج من الذهن المتعصب الى الشوارع لتقتل .
الكارثة تبدأ عندما ينتشر المعجبون بالعنصرية ، مظاهرات الانتقام من  قتل مروة لم تلتفت أنه بسهولة يمكن أن تعلن اوروبا الحرب على  مصر أن نتطرفيها قتلوا سياحا آمنين ، وأن الغضب المفرط يمكنه أن  يكون بداية موجة عنصرية مضادة ، وهذه هزيمة لمروة التي تحسب  لها شجاعتها في مواجهة المتطرف على أرضه وبين جمهوره  وبالقانون .
مروة وحدها تحدت العنصرية الالمانية ، بينما كل الغاضبين من أجلها  ..أظهروا اعجابهم بتفكير القاتل.

(7)
تتكرر المعركة بطرافة أكثر في حملة إعلانات لقناة ميلودي افلام .. ترفع شعار ” افلام عربي و (……) أم الاجنبي ” .
الكلمة المحذوفة تكمل شتيمة بذيئة ضد الاجنبي ..طرافة الاعلان لم تلغ  رسالته التي حولت التنافس التجاري بين أفلام شهيرة ( روكي وتيتانك  حتى الآن) والافلام العربية إلى عداء يشبه في طرافته سلسلة أفلام  شهيرة في الستينيات عن مستر اكس أخطر مجرم في العالم .
كل فيلم عن مطاردة بين مستر اكس الامريكي وشبيهه المصري الذي  كان رغم سذاجته ينتصر في النهاية ، حملت الافلام صورة عن الذات  القومية كما رودتها بروباجندا الستينيات ..في مواجهة أجنبي مجرم .. بينما في اعلانات ميلودي نوع من مداعبة لنرجسية نائمة تمزج طرافة  الاعلان ودقة صناعته بالبذاءة اللفظية ضد الاجنبي .. إلى جانب  الصوت الرخيم لمذيع يوصف المعركة كما لو كانت حربية وليست  سينمائية .
الرسالة هنا ليست من صنع ماكينة الدولة وانما اكثر الماكينات يقظة في  المجتمع ، ماكينة الاعلانات وإدارتها الماهرة في ايقاظ الصور المكبوتة  عن المجتمع المشهم ، تبحث الاعلانات عن شئ جماعي تلعب  عليه  لتروج سلعتها ، كما تبحث الاحتجاجات عن الشئ نفسه ، وكلاهما يلعن  (……) أم الاجنبي .


شاهد على يوتيوب مصريات اعلان ميلودي افلام عن الافلام العربية

اخبار ومواضيع ذات صلة:

أضف تعليقاً